Breaking News
Loading...
Friday, August 10, 2012

المعارضة المسلحة والإشارات المقلقة حول تجاوزات خطيرة لحقوق الإنسان


محمد حيان السمان*

يبدو أن القانونَ الأبديّ المتعلق بتعبيرات ما قبل الدولة الدستورية, والقائل بحتمية التعسّف في استخدام السلطة حالَ امتلاكها, قد استأنف عمله في حلب ( ثاني أكبر المدن السورية وذات الثقل الاقتصادي والتجاري الكبير). وهذه المرة من الجهة المقابلة : المعارضة المسلحة وتعبيرها الغامض المراوغ : الجيش السوري الحر, وقد بات الآن يتاخم حدودَ المقدس الجليل الذي يهاب الجميعُ مساءلته أو نقده أو التلميح إلى أخطائه.

فمنذ سيطرة مقاتلي المعارضة السورية على أحياء في حلب أواخر تموز الماضي, والإشارات المقلقة حول تجاوزات خطيرة لحقوق الإنسان, تصدر من داخل المدينة وتحيل إلى أجواء من الرعب والتوجس يعيشها الناس هناك, ليس من احتمال تكرار سيناريو بابا عمرو في حمص, أو ما حدث من تدمير وتنكيل على أيدي قوات النظام مؤخراً في دمشق, فحسب, وإنما من تمادي مقاتلي المعارضة أنفسهم في ممارسات لا تكاد تتميز من حيث النوع, عن ممارسات النظام وقتلته من رجال أمن وشبّيحة. ولعل أنصع الوقائع الدالة على هذه التجاوزات تمثلت في إقدام المسلحين على تنفيذ حكم الإعدام العلنيّ الميداني بمجموعة من الشبيحة من آل بري بعد اعتقالهم. وقد أعدموا بطريقة ثأرية احتفالية تضمنت قدراً هائلاً من التنكيل الفظيع بأجساد القتلى. أما الواقعة الفظيعة والبارزة الأخرى فقد تمثلت في مهاجمة (مقر شرطة الصالحين- جنوب حلب) وقتل رئيسه العميد – علي نصر-, حيث قام المسلحون بعد قتل العميد بسحله في الشوارع والتمثيل بجثته, وسط أجواء احتفالية هستيرية أيضاً.


وفي شهادات ميدانية لمواطنين من حلب, أن مسلحي المعارضة نفذوا حملات دهم وتفتيش للبيوت في الأحياء التي يسيطرون عليها بحثاً عن الشبيحة, وخلال ذلك نشروا أجواءً من الترهيب والذعر في صفوف أسر المطلوبين. وجرت أحياناً محاولات أخذ النساء والأبناء رهائن عندما لم يجدوا المطلوبين من الشبيحة, جلاوزة النظام المعروفين.

تركت هذه الممارسات وغيرها, مما لا يتسع المجال لذكره هنا, جواً عاماً من القلق والتوجس في المدينة. إن ابتهاج قسم كبير من السكان بخلاصهم من قبضة النظام الاستبدادي الذي فرض الرهبة والإذعان على المدينة طوال أشهر الثورة عن طريق أعداد كبيرة من الشبيحة ورجال الأمن؛ هذا الابتهاج لم يستطع إخفاء علامات التوجس والقلق لدى السكان في المقابل, وخاصة بعدما اختبروا ممارسات من النوع الذي ذكرته للتو, قام بها مسلحو المعارضة غبّ دخولهم حلب.

لقد رسم تقرير ميداني من داخل حلب, أعدته رويترز – 31 تموز الماضي – ملامحَ هذا القلق والتوتر بشكل حي وملموس.
يقول التقرير : ” في حين يرحب بعض سكان حلب بقدوم مقاتلي المعارضة يبدو البعض متوجساً من المقاتلين الذين سيطروا على أجزاء من هذه المدينة القديمة التي ظلت لشهور على هامش الانتفاضة… “. وينقل التقرير هذا الحوار بين مواطنين تجمعوا في أحد الأحياء : ” ورغم ذلك يشعر ( جمعة) بالحماسة وهو يرى مقاتلي المعارضة في شوارع ثاني أكبر المدن السورية. قال : معنوياتي مرتفعة, عندما أراهم من عتبة منزلي أشعر بأن النظام بدأ يسقط أخيرا. لكن جاره (عمرو) يرى الوضعَ بشكل مختلف. قال متذمرا: كل ما لدينا الآن هو الفوضى. واعترض بعض الرجال بشدة على ذلك الرأي وقال أحدهم : لكنهم يقاتلون ليخلصونا من القمع . هز (عمرو) رأسه قائلا : ما زالت مقموعاً.. فأنا بين خيارين. أريد فقط أن أعيش حياتي .
ومن أمام مركز الشرطة الذي هاجمه المسلحون وأحرقوه ينقل التقرير هذا المشهد : ” وفي الشارع تجمّع رجال لمشاهدة مقاتلي المعارضة وهم يتفقدون مركزا محترقا للشرطة اقتحموه في الأسبوع الماضي. وتملأ الأوراق والأحذية وقبعات الشرطة المبنى المحترق. هز أحدهم رأسه وهو يراقب المشهد. وهمس رجل : نحن حتى لا نعرف هؤلاء المقاتلين. لا يتحدثون إلينا كثيرا لكن الناس هنا يتقبلون من يمسك بمقاليد الأمور… لست مع أحد.. أنا مع الحق. والحق هو الله وحده “!!.
*****

لقد أشارت تقارير لمنظمة هيومان رايتس ووتش, منذ شباط وآذار الماضيين, إلى انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم عديدة قام بها بعض مسلحي المعارضة, شملت الاختطاف والتعذيب والإعدام. ( انظر : رسالة مفتوحة إلى قيادات المعارضة السورية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل عناصر من المعارضة المسلحة – 20 آذار 2012- موقع منظمة هيومن رايتس على الإنترنت ) . بيد أن الممارسات الأخيرة لمسلحي المعارضة السورية في حلب, اتخذت طابع القسوة والعنف البالغ والعلنيّ, نتيجة إحساس المقاتلين بسيطرتهم على حيز من الفضاء المديني داخل حلب. وهو مؤشر خطير لأنه يقدم نموذجاً مصغراً وأوّلياً لما يمكن أن تكون عليه الحال بعد سقوط النظام السوري. صحيح أن ممارسات عناصر الجيش الحر وكتائبه المقاتلة لا تقارَن بما فعله النظام السوري بالمدنيين منذ اندلاع الثورة, لكن المقارنة بين حجم السلطة والقدرة المتاحتين للمقاتلين في المعارضة, وبين حجم وشكل العنف الذي يمارسونه, تترك انطباعاً بأن محنة السوريين مع مركّب السلطة والعنف لن تنتهي مع سقوط النظام.
بمقدار بسيط من السلطة حازه المقاتلون, انبثق عنهم كل هذا العنف, فكيف عندما سينهار النظام كلياً ويتسلم المقاتلون زمام الأمور كاملاً على الأرض..؟!.
لقد أدان الجيش الحر فيما بعد هذه الأعمال ( تحديداً إعدام شبيحة آل بري), وأشار في تقرير له إلى أن ” مثل هذه التصرفات المشينة ليست من أخلاقيات الجيش السوري الحر, وليست من أخلاقيات الثورة السورية المجيدة ” . وأكد التقرير على احترام والتزام الجيش الحر بالقوانين والاتفاقيات الدولية, وبشكل خاص اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بالأسرى . إن إدانة الجيش الحر هذه, على أهميتها, تعكس ضعف السيطرة المركزية للقيادة على تشكيلات الجيش الحر, وصعوبة ضبط تصرفات المقاتلين على الأرض, والفوضى التي تسم استخدام السلطة والعنف والسلاح المنتشر بين أطراف وجماعات ذات مرجعيات فكرية وسياسية وتمويلية مختلفة, مما يجعل الوعود ” بإجراء تحقيق فوري وشفاف حول الحادثة الشنيعة لمحاسبة الفاعلين وفقاً للقانون بعد التحرير في إطار حكومة الثورة “؛ أمراً مستبعدَ التحقق.
ومن جهة ثانية فإن البيان يذكرنا ببيانات الجيش الأمريكي التي كان يصدرها كل مرة, بعد ارتكاب قواته مجازر بحق المدنيين في العراق أو أفغانستان. صيغة تعكس منطق التأييد الضمني, ولكن في الظاهر تسعى إلى التظاهر بالصدمة والإدانة. وينبغي أن نلاحظ هنا أن بيان الجيش الحر أشار في السياق إلى جرائم الرجال الذين أعدموا – من آل بري – بحق المتظاهرين قبل دخول الجيش الحر مدينة حلب. وهي إشارة تتضمن تبريراً خفياً لعملية الإعدام.
لكن الموقف ذا الدلالات البليغة والذي صدر بالتزامن مع بيان الجيش الحر المشار إليه, والمتعلق بالممارسات المشينة لبعض مقاتلي المعارضة وفصائلها في حلب؛ هو ما تضمنته الوثيقة التي اقترحتها لجان التنسيق المحلية السورية بعنوان ( وثيقة عهد لعناصر الجيش الحر ).
بداية لابد من التنويه بأن نقد الجيش السوري الحر, أو المساس من قريب أو بعيد بشرعيته الثورية ونجاعة ممارساته الميدانية, وصحة قراراته العسكرية…الخ, كل ذلك من المحرمات بالنسبة للمعارضة السياسية الخارجية المتمثلة بالمجلس الوطني. وذلك وثيق الصلة بأمرين: الأول أن مكوناً أساسياً من مكونات المجلس الوطني ( الأخوان المسلمون ) لديه أذرع عسكرية في الداخل تعمل تحت غطاء الجيش الحر. ثانياً: إن الداعم المالي والدبلوماسي الرئيسي للمجلس ( قطر ) هي من بين أكثر الأطراف الإقليمية حماسة لعسكرة الثورة وإمدادها بالسلاح. وقد نتج عن هذين المحددين إحجام المجلس عن مناقشة موضوع العسكرة والتسليح بشكل نقدي وجذري. ومع تصاعد التسويق الإعلامي الهائل للجيش الحر شعبياً وتكريسه في الوجدان العام كحام ومخلص, صار مجرد نقد الممارسات الميدانية للجيش الحر, أو إمعان النظر بالحقائق على الأرض لجهة فوضى السلاح وتعدد المرجعيات والطابع الإسلامي المتطرف لعديد الفصائل؛ صار ذلك كله بمثابة هرطقة وتجديف يوجبان عقاباً لا يرحم.
من هذه الناحية كانت قيادات في الجيش الحر نفسه أكثر جرأة من ساسة المعارضة على نقد هذا الجيش. ففي لقاء مع صحافيين من جريدة الحياة في 30 آذار الماضي, كشف قائد الجيش الحر العقيد ( رياض الأسعد ) عن جملة أخطاء وممارسات مرفوضة تحدث داخل هذا المكون العسكري للثورة.
لكن النقد الجوهري والأكثر جذرية للجيش الحر داخل الحراك نفسه, جاء من طرف المكون المدني الشعبي في الثورة, والمتمثل بلجان التنسيق المحلية. وتندرج وثيقة العهد المشار إليها في هذا السياق.
( 3 )
لقد تم استبعاد معظم الناشطين السلميين من التنسيقيات, منذ أواخر رمضان العام الماضي ” ليحل محلهم آخرون داعمون للعمل العسكري”. لكن ذلك لم يمنع من استمرار صدور مواقف نقدية من داخل لجان التنسيق المحلية, لممارسات الجيش الحر وعملياته على أرض الواقع. إن معاينة الوقائع والعمل مع الجيش الحر مباشرة وميدانيا؛ أتاحا للتنسيقيات – وهي المكون المدني السلمي للثورة والمعبر الأكثر أصالة وجذرية عن جوهر الثورة وطبيعتها السلمية – رؤية أكثر موضوعية وأقرب للواقع. ولعل أبرز نقد وجهته التنسيقيات المحلية للجيش الحر هو ما صدر عن تنسيقية دير الزور في نيسان الماضي, حيث طالبت ببيان لها الجيشَ الحر بالابتعاد عن المظاهرات, لأن وجود المسلحين إلى جانب التظاهر السلمي أمر يضرّ كثيراً بهذا التظاهر, إذ يستثمر النظام وجود المسلحين من أجل الدعاية الإعلامية حول وجود عصابات مسلحة, كما أنه يستغل ذلك لتبرير استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين. وفي جميع الأحوال فإن الحراك السلمي الشعبي هو من سيدفع الثمن. إن هذا البيان ينحو باتجاه تأكيد استحالة الجمع بين السلمية والعسكرة في ثورة واحدة, ويعلي من شأن سلمية الثورة والتمسك بتعبيراتها المدنية.
( وثيقة عهد لعناصر الجيش الحر ) الصادرة عن لجان التنسيق المحلية في سوريا, في 3 آب الجاري, تأتي في هذا السياق الذي يعكس في العمق تناقض المكونين العسكري والمدني داخل الثورة, والتباين بين رؤيتيهما للواقع وأشكال الممارسة والوعي. كما تعكس تخوفاً كبيراً لدى المكون المدني الشعبي في الثورة, من طموحات العسكر مستقبلاً, والمواقف والممارسات المحتملة للمسلحين بعد سقوط النظام.
تبدأ الوثيقة بالتذكير بأن الجيش الحر انبثق عن الثورة وهو بالتالي يحمل قيمها التي تتمثل بالحرية والكرامة والعدالة لسورية والسوريين. وهو كذلك نواة الجيش الوطني الجديد الذي سيدافع ” عن استقلال البلاد وسيادتها ودستورها ومؤسساتها الديمقراطية “. ثم تعدد الوثيقة إحدى عشرة مادة هي بمثابة عهود يلتزم بها عناصر الجيش الحر جميعاً.
تؤكد الوثيقة ( المادة 1+ 8) على الطابع الدفاعي لعمل الجيش الحر, وبما يضمن استمرار الثورة حتى يسقط النظام. ومن المعروف أن الحاجة للدفاع عن النفس وعن المتظاهرين كانت بمثابة المبرر المركزي لعسكرة الثورة, ولكن لم يجر الالتزام بهذا الطابع الدفاعي فحسب إلا في حالات نادرة. وفي المواد 2- 9 من الوثيقة يجري التأكيد على ضرورة التزام عناصر الجيش الحر بالمبادئ القانونية والأخلاقية المعروفة في التعامل مع حملة السلاح في صفوف النظام, ومع ناقلي المعلومات عن النشطاء. وتتمثل هذه المبادئ بعدم ممارسة التعذيب أو الاغتصاب أو التشويه أو التحقير بحق الأسير, للحصول على اعترافات أو للاستعراض بحق الأسرى والمخبرين كتصويرهم أو قتلهم في الساحات العامة. كما تطالب الوثيقة بالتعهد بعدم ممارسة أي شكل من أشكال السلب والنهب أو الانتقام على أساس العرق أو الطائفة أو الدين…الخ.
أهمية هذه الوثيقة لا تنبع من مجرد تأطير وتحديد الممارسات الأخلاقية المطلوبة من عناصر الجيش الحر خلال مواجهة آلة القتل الهمجية التابعة للنظام, على الرغم من أهمية هذه الناحية؛ وإنما من تلمسها الخجول لمحاذير المرحلة التالية لسقوط النظام, أي المرحلة الانتقالية . إن الأحداث الأخيرة في حلب قدمت مثالاً حياً وأولياً لما يمكن أن يصير إليه الوضع بعد سقوط النظام وزوال سلطته على الدولة والمجتمع, في الوقت الذي ستزداد سلطة وقدرات وشعبية الجيش الحر بشكل كبير. وقد شكل ذلك ما يشبه ناقوس خطر يدق قوياً في أفق المستقبل المأمول ما بعد إسقاط النظام. وبكلام آخر يمكن القول : إن الوثيقة تلحظ في جانب منها ضرورة ضبط المكون العسكري بمبادئ قانونية وأخلاقية تحدّ من هيمنة متوقعة للعسكر على الحياة السياسية في سوريا ما بعد الأسد. من هنا نلاحظ تأكيد الوثيقة على مبادئ الثورة ( الحرية والمواطنة والكرامة ), بوصفها معيار السلوكات والممارسات المطلوبة. وتشير الوثيقة بوضوح إلى المستقبل واستحقاقاته القادمة لجهة احترام حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي ” التي نناضل اليوم كي نراها مطبقة على جميع السوريين في سوريا المستقبل ” ! .وفي المادة العاشرة يأتي المطلب الحاسم: ” أتعهد بأن أسلم سلاحي للسلطة الانتقالية التي ستتولى إدارة البلاد في الفترة الانتقالية بعد سقوط النظام “!!…
ثمة في الوثيقة رغبة ضمنية بتأكيد البعد القانوني والسياسي المدني في المرحلة الانتقالية, من خلال التذكير بالمبادئ الأساسية للثورة, المتعلقة بالمواطنة والقانون والمؤسسات الديمقراطية. ثمة تذكير هامس غير مباشر بالدولة الدستورية ومؤسساتها المختلفة, كمرجعية مستقلة للسلطة القادمة التي ستكتسب شرعيتها عبر التزامها بقيم الدستور الذي يكفل المواطنة والحرية والعدالة للجميع. وفي كل ذلك يمكن القبض على بوادر خوف وقلق كبيرين لدى المكون المدني الشعبي للثورة, من انقضاض العسكر على تركة الاستبداد المرير الذي عانت منه سوريا طوال نصف قرن أو أكثر. وبالطبع فإن هذا الخوف والقلق أمران يتفهمهما المرء, خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار السياق التاريخي السوري الحافل بانقلابات العسكر, من جهة, والممارسات التي قام بها المقاتلون على الملأ في حلب, من جهة ثانية.

______

* باحث من سوريا .

0 comments:

Post a Comment

Copyright © 2013 HUQUQ All Right Reserved